النار التي تجلس أمامها بالساعات، تولـج فيها عيدان الحطــب كلما خبت، هي مورد رزقها الوحيـد، عين النار تلهب جسدها، تترك آثار اللهيب على جلدهـا، لكنها لا تشعـر به، تعــود إلى بيتهـا.. تغـتسل فتشعر بحرارة اللهب. تبحث عـــن بعض "النشاء" تضعه في بعض الماء، وتحركـــه بيدهــا حتى يــذوب، وبرفــق تُـمرِّره على جلدهـــا الملتهب. في آخر الليل عندما تضع رأسها المنهــك على وسادتها، تقرأ آيات قرآنها الذي حفظته بالكُتّاب صغيرة، تعلــو شفتها ابتسامة تعقبها ضمة حاجبيها، ووجــــع على كـف يدهـا اليمنـى، مـن مسـك أداة الخبيز، وتحريكها للخبز دخولا الى النار وخروجا منها، ولكنها تذكرت عصا الشيخ الذي يضربها لسوء حفظهــا، تهمس لنفسها لم يكن رحيما بي لأن أمي أوصته بذلك، ظنا منها أن هـذا هـو السبيل الى تغيير مسار حياتي. التعليم سوف يجعلني بعيــدة عـن النـار التي تجلس أمامها بالساعات.. تغمغم، كان عندها حـق، نــار الشيخ التي ألهبت جلدي الصغير، جعلتني أتمردُّ عليـه وأرفض الحفظ والدرس، ولكني كنت سعيدة بنار الفرن التي اعتدت الجلوس أمامها مع أمي، تأخذني كي أعاونها في بيوت الأغنياء، أناولها عيدان الحطـــب، ثم أصبحت أناولها قطع العجين، ورويـدًا رويـدًا تعلمـت كيــــف أجلـس أمام الفرن. كنت سعيدة بلون الخبز المائل للحمرة وهــو يخرج مـن الفرن مبتسما، فأضحك له. تسألني أمي لماذا تضحكين؟ أقول لها: كلما ابتسمت للخبز استدار وتلوّن بهذا اللــون الأحمر، وكلما علــت النار نضج أسرع، كانت أمي تنظــر لي نظرة شفقة من القـادم الذي لا أعرفه وتقول: "ربنا يخبز لك العيش". الآن عرفت معنى عبارتها كلما تأخر عليّ زبائني، لكني ما زلت أبتسم للخبز الطازج، ولعـين النار كلما علت وازداد لهيبها..
أنظر اليها من زاوية الخير الذي تجلبه عليّ. يعاودها الألم في جسدها.. تترك رأسها على الوسادة..
تغمض عيونها المثبتة على السقف.. وشـــفتاها تغمغم بآيات القرآن.


0 التعليقات

