» » دراسات نقدية لكل من -أ- حنان بدران د / حامد حاجي لنص - رجع الصدى- قصة قصيرة - بقلم -أ- المنجي بن خليفة



ـــ
أولا النص 
رجع الصدى
___________
اضطربتْ قهوتي في فنجانها، تلاطمتْ أمواجها السوداء، فاضتْ على طوق سور زُيّن بياضه برسوم الزهر وألوان الربيع، لامستْ بدفئها أناملي البيضاء النحيفة حينما تحررتْ من ضيق المكان، خفتتْ عاصفة ارتعاش كفّي، واسترجع القلب من بعد شدّة الخفقان أنفاسه، رأيت ماء قهوتي المحمّل ببقايا البنّ تناثرت قطراته فوق نتوءات عروقي، ومسام تجاعيد ظهر كفّي. ناولني محرمة كي أمسح ما تناثر، وأجفّف ما استنقع على صحن الفنجان، تحجرت الكلمات بين شفتيّ أن أقول له: شكرا، لم أجد من لغة الكلام إلاّ ابتسامة خفيفة، وباقي ملامح وجهي تقول كلاما آخرا، حاولتْ أن أخفي ارتعاش أصابعي، واحمرارا طفى على سطح وجنتيّ لا أعلم كيف أداريه.
مسحت آثار زوبعة فنجاني، استرجعت ما قال لي : "هل تقبلين الزواج بي" لعلّ كلامه يحمل معنى غير الذي فهمتُ، أحقا يريد الزواج بي ! أيقصد فعلا معنى الزواج ! أبعد كلّ هذه العقود من الانتظار هناك من يفكّر فيّ، يراني كامرأة ككلّ النساء، يشتهي غزو بحاري البعيدة، من ثمار حدائقي قبل أن تسقطها رياح الخريف! أمازالتْ رياحي تُغري أشرعة البحّارة، وتجذبهم لأحضان أمواجي الهادئة !
لكن مخالب ذلك الخوف اللعين تدمي نشوة روحي العطشى لماء الفرح، تفسد طقوس غرام جديد، تهدم قصورا شيّدتها في ليالي الشتاء الطويلة، خوفي من عيون لأناس كلامها أقسى من كلام الشفاه:
ـ أبعد عمر حطّمته السنون مازال في قلبها مكان لعشق جديد؟
ـ أمازال فتيل قنديلها يضيء بعد طول انتظار؟ وبعد برد الليالي الطوال؟
صحوتُ على صوته بعد شرود حملني حينا لشواطئ فيها أمان، وفيها بذور للفرح أينعت بعد عذاب انتظار طويل، وحينا على رؤوس الصخر يرميني، يحطمني، فلا أرى من بقايا الروح إلاّ أشلاء مبعثرة.
أعادني صوته إليّ، إلى طاولة في ركن هذه المقهى الهادئ، رأيت في بريق عينيه كلاما أكثر من كلمات قالتها شفتاه: أراك سكتِّ، هل ترفضين عرضي؟ صحا كل حلم رسمته منذ الصبا، ومنذ الطفولة حين أزيّن دميتي أراني في الكون أحلى عروس، صحا كلّ جرح أدمته شظيّة حلم تحطّم، وحين رأيت تباشير ربيع جديد، وضوء تسلّل لعتمة كهفي، تقول: هل ترفضين عرضي؟ وقفنا معا، مددت إليه يدي، وحين مسكها باحت له بكل الكلام، لأني عجزت أن أجد في كلّ الكلام كلاما.
_________________
الدراسة الأولى- حنان بدران
توطئة
__________

_________________________________
تقوم القصة القصيرة على جملة عناصر لا تتوافر لها شروط الحبكة بوصفها المجرى الذي. تقع فيه الأحداث بتسلسل أخاذ.
وهناك الأزمة ...حيث تتعقد الأحداث وتخفي على القارىء ولا تتضح إلا بعد الوصول إلى الحل وهذه لحظة تسمى لحظة التنوير .
وهناك الشخصيات من رئيسة إلى وثانوية ،فضلا عن الزمان والمكان اللذين يوهمان بالواقعية ،وتتضافر هذه العناصر لتأخذ القصة شكلها المألوف.
الشخصيات
------------
يقوم البناء الفني لهذه القصة على شخصيتين  رئيسيتين لكأن السياق يجري حولهما إنها  الفتاة الشرقية المنغلقة المنساقة .
فهي شخصية سلبية مسلوبة الإرادة صقلتها ألسنة الناس التي حولها .
وفي المقابل نمط الشخصية الإيجابية الذي احتفظ  بحب عمر طويل، ولم تستطع السنين من تغير شي في واقعه الداخلي فهو محب صادق واثق  الخطوه يمشي إلى هدفه الأول والأخير ولم يستطع وهن العمر أن يصنع منه ذلك الرجل المتخاذل، أو يجعله يتسرب إلى داخله أو أعماقه اليأس أو حتى نفاذ صبره على مر الأعوام أو السنين .
فكان الفرق الجوهري بين الشخصيات أن  القاص لجأ إلى الشخصيات ليساعد في تحريك السياق العام لتطوير القصة .
مع التزام الكاتب بعنصر الزمان والمكان لتأخذ القصة القصيرة شكلها الطبيعي،فكان الزمان منذ عهد الصبا إلى اللحظة التي تتم فيها المفارقة الأجمل في النص.
وكما التزم الكاتب بعنصر المكان الذي هو المقهى الصغير في ذلك الركن الهادىء .
وكانت لغة القاص  سردية شعرية موحية،مستمدة من رؤيته الحياتية.

والحوار ...
كان مصورا بواقعية أي أنه ينبع منها ويجلو أبعادها ،بما يتلائم مع ثقافتها ودوافعها النفسية.

كما أن الفكرة....
هي التي كانت الخطيرة فهي صنعت اللحظة الفارقة في القصة القصيرة وبالمختصر أن افكار  الأفراد وسلوكياتها لدينا تكونها ألسنة الناس .
ومن هنا يتجلى البعد الإجتماعي الخطير .


***********

قراءة انطباعية للنص
___________________
فمن بداية اللحظة الأخيرة نبدأ لنجد أن المرأة بحاجة إلى أن تأخذ حريتها كي تصنع فضيلتها ...فالمرأة التي يمنعها المجتمع من فضيلتها !!!
إذ أن  الفضيلة الإجبارية هي تقليد ،ولكنها ليست نصرا إنسانيا ،والفتاة التي تمنع من حرية التصرف ليست بالعموم فاسقة ولكنها ليست فاضلة لأنها لم تختر شيئا ولم تكن مسؤولة.
أن الحرية هي الشيء الوحيد الذي يعطي الأحكام الأخلاقية قيمتها الحقيقية.
وأمام المرأة التي من المفروض أن تحمل قدرا من الإنسانية يساوي القدر الذي يحمله الرجل تقع المفارقة .
ونحن هنا في البداية أمام تشخيص الداء..
وأمام تابو المحرمات الجاحفة التي يفرضها على المرأة وكأن الكاتب يتبنى فكرة التحرر بمعناها الحقيقي العميق .
إن تحرير المرأة يجب أن يبدأ بتحرير ذهنها من الجمود الذي فرضه عليها المجتمع التقليدي ،وأن تصمم على ممارسة حياتها مع تحمل المسؤولية أمام نفسها وأمام المجتمع كجزء منه.
نحن هنا أيضا أمام  نظرة مجتمع لا ينفع معها أن تداوي دمامله المتقيحة لا ينفع فيها أن نضع مرهما على السطح لمعالجتها ،ولكن نحن هنا بحاجة إلى معرفة أسبابها الداخلية ثم مداواة الأسباب وهكذا حتى نزيل الدمامل التي هي بالأصل نتيجة لداء غير مرئي .
أن أول هدف أحرزه الكاتب لنا هنا أن يضعنا أمام السؤال الأخطر في المعادلة بين العلاقة الإنسانية القائمة بين الرجل والمرأة هنا...وهو
(هل العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة علاقة قائمة فقط علاقة الجنس والجسد ؟)
رغم أن هناك أشياء كثيرة ورائعة يمكن أن توجد بين المرأة والرجل دون أن يكون لها علاقة بالجنس والجسد ..لكن الرجل الذي يعيش في مجتمع لا يقدم له من المرأة سوى ظل جسد عار، لا يمكننا أن نلومه إذا من أن المرأة ليست إلا جسدا ؟...لكننا نلومه إذا لم يسمح لها إلا بأن تكون كذلك..
وهاهو الكاتب ...
وبنظرة حيادية إلى المأساة الإنسانية فينا تتكرر بالمشهدية وأن اختلفت القصص وتباينت وها نحن
هنا أمام عذراء ليست سجينة سوى لعرف التقاليد والعادات .
والحب هنا لم ينتحر هذه المرة حرمانا وشوقا ،إنما انتحر بطرا وسأما وخيبة.
المأساة هنا تتجلى أن الجيل توصل إلى قمة الانتصارات المادية والعلمية  ولكنه لم يجد البديل لقيم العالم القديم الروحية التي اغتالها ،وكأنه عبر بذلك عن صورة مضحكة حية تمزقها النفسي المرير الذي خلفته وليمة الشبع المزيف.
وها نحن أمام الوليمة المزيفة والتخمة الموهومه في  النهاية، لم تكن سوى جوع أشد مرارة من جوع البداية فهاهو الشبع المادي يرافقه جوع نفسي أو بالأحرى مجاعة نفسية .
وهاهي المرأة تتعثر وتتلعثم وتنتفض كأمواج فنجانها وتتناثر أمام تجربة الحرية لتعود متعثرة الخطى وتنقضي لحظة الانبهار التي تعقب الإنسان إلى نور قوي بعد أن قضى قرونا في ظلمة وقيود وبدل أن تحارب مجموعة المفاهيم البالية وتخوض المعركة ..لتصيب هدفها .


___________________________

نجد أنها الأنثى في مرحلة عمرية ما من الإقدام على الزواج ما هو إلا نتيجة الاتكال المترسب داخلها من بقايا عصور عبودية المرأة ،ما زالت كامنة في  وعيها،ولو نلاحظ هنا أن هناك العديد من النساء الناجحات وقويات الشخصية،فهن قد أقنعن العالم بمساواتهن مع الرجل فكريا وعلميا ،ولكن بقي أن يقنعن أنفسهن بذلك..!!!
ورغم أن فيزلوجيا ،تهرم المرأة بقدر ما تهرم خلايا الرجل في سن واحدة ..فالزمن بشروق الشمس وغروبها تسير بمقدار متساو بالنسبة إلى المرأة والرجل ..معا ...والقمر يطلع ويخبو على الأرض بمقدار واحد،ويدور حول النساء والرجال .

*فالسؤال كيف تهرم المرأة دون. الرجل حينها ؟؟!
إذا باستنتاج طبيعي جدا نكتشف أن ادعاء هرم المرأة العربية المبكر سببه نفسي واجتماعي وتاريخي . 
ففي مجتمع الذكوري التقليدي ،الأنثى تولد بالنسبة إليهم في سن البلوغ وتموت في سن الخريف ...اي أن قيمتها  لديهم ما تعادل ما تقدم من خدمات في الحياة والفراش ثم تحال للمعاش.
المروع بالموضوع هنا أن المرأة تقبل بهذا الحسم من حصتها من الحياة .المجتمع يحسم عليها نصف عمرها تماما وهي تتقبل ذلك راضية بل وتسهم في ذلك ...بل ليس اقسى من المرأة على المرأة ..وخصوصا في مجتمعنا العربي ،حينما تجلس بين مجموعة من النساء واستمعت اليهن كيف ينتقدن أية انثى تعلن عصيانها على الموت في سن الأربعين وتصر أن تظل شابة وعاملة وعاشقة وحية وفعالة ما دامت حية ؟وحتى المرأة العاملة ،فإنها للأسف  لا تزال تطاوع نظرة الجهل والتخلف الأشد وتكرس جسدها ونفسها للموت بعد الأربعين.
ونحن هنا نكرس كرسي الاعدام الكرسي الهزاز ،دون أن نحاول أن نسعى إلى حملة توعية شاملة في هذا المجال .وخصوصا حين تصبح المرأة طاقة مهدورة عاطفيا وعلميا وسياسيا ...إلا فيما ندر .
وأمام شخصيتنا السلبية التي هي نتاج وابنة بيئة هذا المجتمع ونتاجه ..فالمطلوب هز هذه الكينونة المغيبة لتجرؤ. المرأة على مكافحة الهرم من داخلها.
لتبقى محافظة على نضارة النفس والرغبة في العطاء،وأن البشرة الملساء لا تصنع بالعموم شبابا ،حتى وأن كان هناك عدة تجاعيد في بشرتها لا يعتبر ذلك نعوة الحياة وليست دليلا على عدم قدرتها على الأخذ والعطاء  .

-------

نحن هنا في قصتنا أمام نفسية  نفسية مضطربة وهرمة كأمة عاطفية، للتوالد الأسئلة في رؤوسنا *لماذا حينما تنفجر أحاسيسنا تجاه شخص أو إنسان ما نحار أن كنا نحبه أو نكرهه .
*ولماذا لا نعتبر أن الانعكاس المرعب لتلك النفوس لا تنعكس على التاريخ الإنساني ؟
*ولماذا لا نعتبر أن ذلك الغموض في الحب داخلنا هو شرارة الحياة الأولى التي تجعل الحياة بطعم
ولون آخر ؟

وها نحن هنا في قصتنا نكتشف أن الذي قتل الحب الحقيقي هو الوهم الذي تربت عليه تلك الأنثى الشرقية بداخلها نما داخلها العجز  حرصا على ردة فعل المجتمع لها؟!
وهاهي ترمي عتادها أمام مجموعة مفاهيم بالية بدل أن تتحدى فيها المجتمع وبدل أن تقول لا وتقول نعم مادامت تقال بجرأة وثقة ..وحب وقت الاعتداد والتصميم مهما كثر الراجمون بالحصى ..
وبدل أن تؤمن  بالتحدي  لانه هو التضحية التي لا مفر منها لكل ذي عقيدة ومبدأ فها هي تقع فريسة لمجتمع ظالم بقدر ما هو مظلوم .
الطرح الأخطر هنا الذي يطرحه الكاتب لنا هنا كيف

تقنع المرأة العالم بالمساواة مع الرجل إذا كانت هي نفسها غير مقتنعة بذلك؟!!
نحن هنا يترك لنا الكاتب/ة مفاهيم التابو التي تسور الحب والجنس في حياتنا مكرسة للزيف الاجتماعي والرياء،وبدل أن تنتفض لأسطبل القيم السائدة وترفض التدجين،نجدها ترضخ لأعماق تزيف الحقائق وكبحها وتسوريها  داخل تابو الحرام والعيب البعيد عن حقيقة الدين لتكرس الجهل والتخلف بتمثليات مملة ساذجة لا تقنع المتفرجين ولا الممثلين.
وبما  أن الحب والعمر ما هو إلا حقيقة أساسية في حياة المرأة كما الرجل .لنجد حياة الإنسان تنهار أمام مشهدية هزلية صنعها العرف والعادات والتقاليد والجهل الغير مستند على حقائق علمية مثبته بكينونة المرأة والرجل معا.
------------------------

الدراسة الثانية- د - حامد حاجي

___________
الإنقسام الصوري والتبئيرالسردي نص (رجع الصدى) نموذجا
========
مقدمة
=======
النص؟ هو كل بنية لغوية تتماثل في أفق الوعي، مبدأها الفهم، أو الحوار، ومقصدها الإضافة، أو التكملة، وتستنهض الجدل لما تحتويه من تفرع، أو تكامل، أو ان النص كل ذلك مجتمعاً.
وقارئ النص؟ هو من تفتّح وعيه للمُـدرَك المتاح ليعيد تشكيله بما أمكن، يشترط الدراية واليقظة([1])..
ويعرف الهمامي النص بأنه: "بنية لغوية مقفلة، مكتفية بذاتها في إنتاج المعني، لا تُحيل إلا عليها، طاقة تشتغل دونما حاجة إلي اعتبار سياق النشأة والتقبل."([2])
وهذا ما يفتح بدوره أفق تداخل النصوص علي النص مهما كان قدم النص (انظر جوليا كريستيف رائدة التناص)، ولعلني سأعتمد هذه القراءة النقدية للنص على مفهوم التناص بمختلف أنواعه وأشكاله راجيا من الله أن أوفق بتوسع آفاق النص ودلالته. وتقديم ما أمكن من ابعاد دلاليةللغة الخطاب بالنص ما يجعله ثريا وممتعاً في الآن نفسه.
====================
التناص :
=====
أرى ان النص يبعث على التفكر بألف ليلة وليلة من ناحية شهرزاد مع شهريار وهذا لا يغيب على أحد من القراء والادباء.. من القراءة الاولى للنص..
وعلى نصين لرائد القصة القصيرة أنطوتن تشيخوف هما : ( المغفلة و مسرحية الشقيقات الثلاث Three Sisters ).. لماذا ؟
اولا : بمسألة تعالق النصوص وانا اقارن هذا النص مع قصة أنطوان تشيخوف( المغفلة ..) استحضرت المثل الإنجليزي:
العشب في الضفة المقابلة دائمًا يبدو لنا أكثر اخضرارًا من العشب الذي يكسو الضفة التي نقف عليها!
ذلك أن المغفلة: ليست وحدها المغفلة، ثمة مغفلون يتنازلون عن حقوقهم بصمت، ويشكرون الآخرين على الفتات، وما أكثرهم.. وهذا النص المعنون ّ(رجع الصدى) له ذات الدلالة والبناء وذات الدلالة والمعنى ..
وإن هذا النص (رجع الصدى) ايضا يذكرني بمسرحية الشقيقات الثلاث Three Sisters : تلك المسرحية ، تدور أحداثها حول ثلاث شقيقات يفقدن والدهن ويواجهن الكثير من المشاكل والمتاعب في حياتهن ، فالشقيقة الكبرى لم تتزوج وأصبحت عانس وتعاني من حرمان المشاعر والعاطفة ، والوسطى مقبلة على العنوسة ويتقدم لخدبتها شاب غير مناسب من حيث الشكل والسلوك ، أما الشقية الصغرى فهي متزوجة من رجل غير مبالي لا يكترث لها ولمشاعرها ...

بمسالة التناص
=======
ثانيا : بمسألة تعالق النصوص وانا اقارن هذا النص مع الف ليلة وليلة تبادر لذهني حقا ذلك التأثير الحاصل بالادب وخاصة الف ليلة وليلة بأشكال الأدب المختلفة وأنماطه خاصة ، وموضوعاته الخرافية منها والشعبية والاسطورية وغيرها .
الذائقة الادبية التي انتجت نص ( رجع الصدى) نصنا المطروق الآن..
لا يمكن بأي حال ان نستثني طلائعيتها قط ولا نملك الا الثناء عليه
فكما وفرت الـــــ(مادة خام) لالف ليلة وليلة للنص السردي حدودا لا نهائية من البحث النقدي فقد وفرت للغرب حدودا من الابداع الكتابي عظيمة فلماذا نبخس صاحب النص ان لا يكون على طريقة هؤلاء ونقرأ نصه من هذا المنطلق الاثرائي .. على مثل ما نجد:
في مسرح (ليسنج) و(سكريب) ( و )(جوتييه) ( و )(دورونيه) وهم من الكتاب الفرنسيين ، الذين أعادوا إنتاج أجواء ألف ليلة ليختمها (بومارشيه) في أوبرا (معروف الاسكافي) وعلى مثل ما نجده في إسبانيا حين أفاد كالديرون من (النائم اليقظان) ليحولها الى مسرحية ((الحياة حلم)) ، أوعلى مثل ما نجد ما قام به الامريكي ( أدجار آلآن بو) في [الليلتان بعد الألف] ،
واني أجد فيما أقرأه بقصة هذا الأديب (رجع الصدى) حقا مقاربات كمثل ما فعلت الآداب الإنجليزية الا نرى مثلا ((ترويض النمرة)) لشكسبير تتعالق رأسا مع قصة ذلك الزوج الذي يروض زوجته بالقسوة واللين والتي نصادفها في بدايات قصص الليالي بالف ليلة وليلة وشهرزاد تروضشهريار..
ولن أضيف أكثر والامثلة كثيرة أكتفي هنا بما وصل اليه التشبيه في ذلك النص الرائع (العاصفة) للعظيم ((أرييل)) ، أوتشبيه كاليبان ما يدور بقصة (جزيرة الكنوز) من سحرة وشياطين يأتمرون بأمر سلطان الجزيرة مع ما ذهبت اليه قصص الف ليلة وليلة
==== والنص الذي بين أيدينا دون اجحاف او محاباة ظاهره بسيط وسطحه واضح لا رمز يغمض حقه لكن عمقه جدير بالدراسة والتمحيص والتحليل والتأويل ..أدلتي في ذلك ما يلي:
============

أدلتي في ذلك ما يلي:
============= هل من الممكن ان نقول ان هذا النص يتعالق مع نصوص اخرى=====
مبحث التناص أولا :
====================
نظريا يبدو إن تحديد "العلاقة النصية" بين نصين ـ أحدهما يأخذ عن الآخر او يتعالق معه ـ يمكن مبدئياً وصفها بأنها علاقة تخضع لأحد الحالتين التاليتين: آلية المصادفة؛ وآلية العمد.(3)
1- وهذا ما يمكن ان نركز عليه بتلقينا الاول للنص المطروح بادئ الامر..
فإن قلنا مثلا بآلية المصادفة: فإننا سنؤكد علي عدم الوعي بالعملية الابداعية ظاهرا وانعدام اطلاع الكاتب على الآداب الاخرى وهذا مأخذ قد نحاسب صاحب النص عنه، وهذا بتقديري لا ضير منه اطلاقا لانص دون تعالق او اثارة من نص اقدم منه ..
ومدخل آخر لا نلزم به انفسنا كقراء او متلقين من كون النص هذا (رجع الصدى ) يمكن أن ندخله تحت نمط العلاقات التأثرية الاختزانية لذائقة المبدع الكاتب أوما نصطلح عليه بتوارد الأفكار أو بتتابعات معرفية أثناء الكتابة.
2- بينما آلية العمد؛ فتنبع من العلاقة الواعية، وهي التي تكون مبنية على استراتيجية فنية نابعة من روح العمل، مدركة لضروراتها ومبرراتها في إقامة "علاقة نصية" مع عمل أخر.
وهاتين الآليتين قد ينفرد بإحداها نص دون أخر، كما قد يجتمعان في نص واحد بطرق الاستلهام التسجيلي، والاستلهام التعبيري..
======
وعند تحليلنا لرؤيته لوظيفة وآلية وشكل الاستلهام النصوص القديمة واستحضارها ؛ فسنجد أن:

1- الوظيفة:
نضج نص (رجع الصدى ) كــــــمادة تعبيرية عن الواقع الحالي.. حين استلهام التراث، وهذا ما حدده النقاد من بين وظائف التناص وهي كما ورد وظيفة "يُقصد بـــبعث هذا التراث أمــــا التغني بأمجاده، وإما باتخاذه مادة تعبيرية عن الواقع الحاضر"([4])، وكانت هناك عدة عوامل وراء ذلك، حددها بأنها عوامل فنية للهروب من الأشكال الأوربية التي سيطرت علي الأشكال الأدبية العربية، وعوامل سياسية باستمداد القوة من التراث ..

2- الآلية: من خلال قراءتنا للنص (رجع الصدى ) و كيفية استلهام التراث الادبي العالمي ، نرصد آليتين في التعامل مع عناصر النص التراثي واللتان استعملهما صاحب النص وهما التسجيلية والتعبيرية. وما لاحظنا بالنص ان الكاتب أجري هاتين الآليتين علي عناصر هي :
أ -الشخصية: وقع تسجيل تقارب بين الشخصية المرأة بنصه مع بقية الشخصيات (المغفلة )و(البنات الثلاث) عند انطوان تشيخوف من حيث توصيف الحركات والقلق وتحديد نفسية الشخصية بمواجهة الآخر
ب - اللغة : اعتمد الكاتب بنص ( رجع الصدى ) اللغة التعبيرية وهو ما نجده بالف ليلة وليلة مثلا ومنطوق السردي بقصة تشيخوف المغفلة
ج - الشكل: السردي الخطي للتعبير عن انطلاق الخط ومسار السرد
د - القالب: المونولوجي الحواري وهو ما اعتمده تشيخوف في مسرحية الاخوات الثلاث..
او ايضا الحوار الدائر بين شهرزاد وشهريار بكل نهاية قصة من قصص الف ليلة وليلة

3. الشكل: وهو القالب الذي استلهمه الكتاب من التراث لإنجاز القصة القصيرة ؛حيث نلاحظ أن هذا النص القصير أضاف جديداً لبناء القصة العربية خاصة ما تطرق له نص (رجع الصدى ) من تحديد وبلورة رؤية عن النفسية الشعورية الخارقة للشخصية المدروسة المرأة العانس حين تقدم لها العريس ما شعورها ؟ وكيف "([5]...
=============================
التناص مع القصص العربية والاجنبية الاخرى ..
====== الف ليلة وليلة نموذجا ===========
بادئ الامر...
1 - على مدى سردياتها:
=============
أكدت شهرازد على (متخيل) غائب ، أو يعتبر من (العدم) لكنها بتحفيز (وعي) شهريار ، استطاعت أن تحقق (وجود) شهريار الجديد المبني على الوعي، الجديد ، ما منحه ((الحرية)) للخروج من دوامة وسواسه الغريب..
ونصنا ( رجع الصدى ) حرص الكاتب على استنباط (متخيل) غائب(العريس الذي يأتي ولا يأتي) ، أو يعتبر من (العدم) لكنه بتحفيز (وعي) المرأة ، استطاع الكاتب ان يقدم امكانية (وجود) شهريارها العريس الجديد المبني على الوعي الفقدي ، مع فارق تميزي تلك المنحة لشخصية المرأة((الحرية)) بأن يفتح لها الله الحياة من جديد بعريس مع عزوبة وعنوسة طالت وهو ما اراد الكاتب ان يقدمه للخروج من دوامة وسواس المرأة العانس..
2- على مستوى اللغة
===========
لقد كسرت شهر ازد ، جرة شهريار ، المملوءة بالشك عبر محطات الحكايا ، حتى تجعله يؤمن بالصباح .. اما بنصنا (رجع الصدى)
استطاعت المراة العانس بفضل ما تنعمت به فكرٍ ، أن تخرج هذا الشك المتوحش بداخلها ، والمبتلى بنقمة الدونية وسطوة الذلة والمهانة ، من قوقعتها الكابوسية وخواء نفسها حتى نقلت نفسها من شغف التمركز الكلي حول النفس ، الى حالة من التوازن المعقول بمحدوديته البشرية ، وعاطفتها الى الحياة الواقعية . شهريارها هذا بات حالة (للتأمل) مع سرد العاطفة الممزوجة بالحكايا ،
==== فان كانت شهرزاد تحاول ان تقتر ب (نهار شهرزادها ) حتى يطلع الصباح (أن يكو ن كائناً ( نهارياً) وينبلج صبحها) فان الشخصية بـــ( رجع الصدى) أرادته شهرزاد العاطفة ، أن يكو ن كائناً ( نهارياً) وينبلج صبحها من قلبها (المعتم)
===== نص رجع الصدى يريد ان يقول : تبقى سطوة ( المرأة) ، أعلى مما ذهب اليه هارون الرشيد حين أقرَّ ليقول:
===========================
مالي تطاوعني البر يةُ ُكلها ***** ** * * * * وأطيعهنَّ وهن في عصياني
===========================
جدل الصورة قراءة في الثابت والمتحول بالمشهد السردي
===============================
اولا : مشكلية النص ( رجع الصدى):
================ ماذا تفعل بأمل يأتي متأخرا؟ كيف تتقبله النفس البشرية ====
قدَّم النص (رجع الصدى )بطله الرئيسي على غير عادة كثير من الكتاب ليس شخصيا انما هو هو نفسية امرأة العانس ... شخصية لا كالشخصيات .. مطمورة بداخل امرأة مهزوزة الأركان...
وهذا قوة النص وابداعه بتقديري انه اثار مشكلة الصدى / الصوت مشكلة الطيف و الصورة..
انه و عبر تأريخ ظهورالصورة كان هناك جدال واسع حول أحقيتها في الهيمنة على الملفوظ السردي فكانت ولادة الصورة نبوءة بـــ( التكثيف الدلالي ) وبإزاحة الكم اللغوي (السردي ، الوصفي) واتساع مساحة اشتغالها في الموجز الابداعي وتكوَّنَ لذلك متن صوري (شكلي) دلالي مواز للمتن الحكائي. ولذلك نقول أن هذا النص أعاد الصورة مرة أخرى وأكَّدَ أهميتها في انظمة التلقي لكي تصبح مركزًا فاعلا في بنية الخطاب الابداعي، فما تحولات الصورة واشتغالاتها إلا علامة مكثفة في الخطاب الابداعي وبلاغته و بنية فوقية تمتد بجذورها في بنية النص العميقة ومن هنا برز ابداع النص في الاجابة عن التساؤل (كيف يتأسس جدل الصورة المؤثر في تحولات الثابت في المشهد السردي )
=============
التعريف الاجرائي للصورة
==============
ـــــــــــــــــــــ
2- الصورة
ــــــــــــــــــــــــــ
بالادب الكلاسيكي يبدو أن الصورة السردية لم تكن لها من وظيفة غير التمثيل الحسي للتجربة الشعورية الكلية، وابراز لبعض الإحساسات والعواطف والأفكار الجزئية..
لكن نص (رجع الصدى ) أتي لتتألق الصورة الشعورية العاطفية من خلال تأطير رؤيتنا الإبداعية
بعبارة اوضح الصورة السردية تعبر عن النضج الشعوري حين تحويل ملمح ما الى سينما متحركة عند كتابة النص المحكي .. انها صياغة أحداث حاضرة مبعثرة هناك/ وهناك بين الأمس واليوم والغد) وتخرج الصورة من ذخيرة الوجدان الشخصي حين تقطير تلك الوقائع وباللحظة ذاتها التي يمزج بها رؤية تراها عينه النشطة ذات مشاهد يومية على حد قول الناقد سالم يفوت ..
فاذا كان الفضاء المسرحي مدارج وصالة عرض وقاعة متفرجين وخشبة فان هناك فضاء آخر هو فضاء الصوت والصورة ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
3 - التعدد الدلالي في البناء المشهدي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما لوكنتَ ستنصب مسرحا بنصك :(مسرحية : منصة عالية وستارة ووجود مسافة اتفاقية تحدد الفواصل بين مساحة المشهد التمثيل والصالة) وعليك كــــكاتب ان تملأه ان تعبئه بفكرك...
وهذا الفضاء معد بالكلمات والحروف ليمتليء بالقوة بصريا وصوتيا ودلاليا..
حسبت صاحب النص يقول لنا وهو يقدم جمله الاولى والاستهلال بالقصة القصيرة
ان المشكلة في الفضاء المشهدي هي انه فضاء محمول على تعدد الدلالات، وهذا ما يميز خاصية المشهد الرمزي او التعبيري، فتكون امام مجموعة من الصور الرمزية التي تأخذ مداها التأويلي فقط عندما يحددها الفضاء النصي ..اي ان النص المشهدي يتحدد ويدرك في حدود فضائيةقبل أي شيء اخر، ومنه أن النص السردي هو صورة مرئية ستدخل "فضاء فارغا" في المقام الأول على حد تعبير "بيتر بروك" ثم لا يلبث الكاتب يبدأ حجرا حجرا يؤثثه بما حوله او بما يحيط به بواسطة مؤشرات منظورة صورية دلالية

ا======
خاتمة
======
لقد وفق النص ( رجع الصدى) أن يكون نصا طلائعيا من خلال تعالقه مع نصوص عدة عالمية وكلاسيكية كانت مرتكزا للانطلاق نحو نص جديد  
وما لفت انتباهنا كقراء انه اراد ان يعمق استخدام التعدد او البوليفونية على حد تعبير البرتو ايكو في التاطير الجاد لعملية السرد الصوري من خلال انفتاحه على اكثر من حدث في وقت واحد(نفسي عاطفي / أدبي / فلسفي) واتخاذ العناصر الصورية كما لو كان يحرك كاميرا الصورة بشكل خاص بغاية توجيه تركيز انتباه المشاهد على رجع الصدى والانتقال بين الأحداث الى جانب الصوت (المتزامن وغير المتزامن) خاصة حين تم توظيف ذلك كله في الإنقسام الصوري والتشطير الصوتي للمونولوج الداخلي وهذا ما استنتجناه والمتمثل في التحكم في تسلسل وتتابع الأحداثالمتعددة على شاشة الروح والشعور .
هكذا يمكن الخروج بمجموعة من الإستنتاجات لعل من ابرزها ما توصل اليه الكاتب من اعتماد الانقسام الصوري في التبئير السردي وما يتعلق بعرض الأحداث العاطفية دفعة واحدة اضافة لمعالجته لمشكلة السرد المتزامن بالرغم مما تتيحه الية الانقسام الصوري من امكانية ابتكار وسائل جديدة لتشكل وظيفة اخرى للسرد المشهدي بالرغم من ان الحفاظ على الصراع الدرامي كان صعب الامساك به أولا ولكن عنصر التشو يق قد أوفى المهمة .
====

========= المرجع
1- الرّؤيا الشّعرية بين التّصورين الغربي والعربي ؛ محمد عبد الرضا شياع
الحوار المتمدن-العدد: 1915 - 2007 / 5 / 14 - 05:55
المحور: الادب والفن
2- _ سالم يفوت- الكتابة الإبداعية العربية والعالمية، مجلة شؤون عربية، العدد: 78 يونيو 1994, ص:95
3-
=============
العنصر الأخير
============= مآخذ على النص =========

النص تأرجح بين التراجيدي و المأساوي؟
===============
أن ما يؤخذ على النص ذلك التأرجح انه ليس (تراجيديا) ولا مأساوي..
بتقديري لأن الشخصية المرأة تبحث عن مصيرها ، ولم تتجاوزه الى مصير آخر ..
ولم يقدم لنا الكاتب حين تصوير النفسية والعواطف ما يمكن ان يتطور الصراع بين الانسان/ (المراة العانس ) وقدره(ـــــا) ، الذي يشكل لنا كنقاد ان هذا (النوع) هو مفصل الدرامي للتراجيديا ، حيث تلتحم النفحة المأساوية ، بالشكل القصصي الحكائي لتؤدي الى المأساوي .
فهذا النص قد وقع في فخ البحث عن الأبدية في سماء الميتافيزيقا وبالتالي قد غادر بلا رجعة منطقة الزمان.. والمكان حين نقلها الكاتب من امراة غائب عنها تلك الأشياء(طموح ان تكون زوجة) الى (التفكير) في الأشياء(ذلك الطموح ذاته) نفسها.
هذا الى جانب انه غاب عن النص ذلك الطابع الطقسي ، الاحتفالي (ما دمنا لم نجد بروز عقبات نفسية أو خلافات فردية بشرية ، أو اجتماعية)، ولا ذلك الخاص بالحدث عن تسارع الزمن ممثلا ( في الانعتاق / او الخلاص ) ، ولا ذلك التعبير الادهاشي بكل مفصل من القصة ( بمقام البداية او سياقات التحول او بمقام النعية ) ،ولا تنوعا بالاسلوب ( اللغة كانت على طريقة واحدة وباتجاه واحد لا تحس معها تتطور مع النفسية= كانت رتيبة )، والمفارقة الخاصة بالتجاوز ، أو التطهير (لم تضطرها المواقف لتتخلى عن أشياء ، أو تتبنى أشياء ،).. عدا ما وجدنا الامتناع عن تحديد سقطة البطل من خلال أن (تبقى (سكونية)
============
ومنه
===========
خرجت (الأزمنة) عن الخيار التراجيدي المطلوب الذي تود ان توفره لتخلق ذلك الصراع التراجيدي.
وقد آلينا على أنفسنا ان نبين ان شهرزاد ( رجع الصــــــــــــدى) قبل رفع الستار عن اسم الكاتب ، و اتخاذ قرار لمعرفة هويته أن :
===
القصة هنا وعد بمأساة أي مأساوية بفكرها ،لكنها ليست تراجيدية كعمل دارمي تراجيدي حق..
=====
 



عن مجلة الثقافة العربية أزمان هاشم

مجلة الثقافة العربية - مجلة أدبية -شاملة - - نهتم بكافة النصوص الأدبية سواء كانت شعر أو نثر أو قصة أو مقال إلخ -- نمد إيدينا لنشر جمال اللغة العربية لغة الضاد ومساعدة المواهب الأدبية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبادة الفيشاوي
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد

close
Banner iklan disini